
قاد ذلك الرجل سيارته إلى داخل القرية الصغيرة كانت سمات شدة الثراء تكاد تتقافز من حوله حيث جاءت زيارته للقرية فى أشد أنواع السيارات إثارة للخيال ، سيارة أحدث موديل يكاد طولها ينافس الترعة على جانب القرية وسوادها يصارع سواد أشد الليالى ظلاماً ..ومع زفة أطفال القرية للسيارة حتى دوار العمدة وخروج النساء والرجال يراقبونه فى فضول وبلاهة غير مصدقين أن يدخل القرية مثل هذا الرجل وصعود فتيات القرية إلى شبابيكهن ليصبحن فى متناول رؤية القادم عسى أن تفوز إحداهن بذلك الثرى .
ورحب عمدة القرية الصغيرة جداً والفقيرة أكثر بذلك الرجل شديد الوسامة ، شديد سواد الشعر والملبس ، فخيم الصوت إلى حد ترك أثر الخوف داخل من أمامه ـ بل هرع إليه يستقبله حتى كاد يخر ساجداً له من هول اضطرابه ، مما جعل الرجل يبتسم بسخرية لتأثيره المبدئى القوى على القرية كلها بسكانها القليلين.
جلس مع عمدة القرية وأخبره برغبته فى مقابلة كبار القرية مع العمدة فى ماسيعود بالنفع على القرية بأكملها . وفى خلال نصف الساعة كان شيخ الغفر قد حضر وشيخ الجامع والدكتور الوحيد بالقرية بالإضافة إلى ناظر المدرسة الابتدائية الوحيدة بالقرية والذى لاتخلو مدرسته من أحد أطفال أهل القرية والذى تأمله الرجل بنظرة فاحصة زلزلت كيان الرجل الذى جلس متحاشياً توجيه حديث إليه.
وبدأ الرجل فى طرح مايريد بلهجة قوية كاسحة مانعة للمقاطعة : أنا رجل أعمال شديد الثراء بشكل لاتتخيلونه وليس لى أهل .. لا زوجة ولا ولد ولا حتى أصدقاء ، طوال حياتى وأنا أجمع المال وأمارس الصفقات وهذا لم يترك لى فرصة البحث عن صديق أو عن قريب _ ثم اعتدل فى مواجهتهم وأضاف فى بطء وبصوته المخيف الذى لا يقبل رداً _ : أعرض عليكم مالايمكنكم رفضه وسيكون مقابله ملايين تنهمر عليكم وعلى قريتكم ستخرجون من تلك الأوبئة التى تعيشون فيها وستعرف قريتكم معنى الرفاهية ورغد العيش سأحول قريتكم بمالى وسلطانى إلى مدينة حديثة صغيرة وأنتم ستكونون ملاكها ستملكون مايحسدكم عليه الأغنياء أنفسهم .
همهم الرجال غير فاهمين ومتسائلين بنظرات مرتابة . فأضاف الرجل بعبقرية هذا بالإضافة إلى الموارد المالية التى ستكون تحت أمركم لكم أنتم خاصة ككبار للبلد لتصرفوها فى مصارفها وبابتسامة شيطانية أضاف .."مصارفها الشرعية" !!
ازدرد الرجال وكبار البلد لعابهم فى بلاهة ولمعت عيونهم نهماً وطمعاً وهم يتحاشون النظر إلى بعضهم البعض ومن ثم سأل أحدهم : لم تخبرنا مقابل ماذا ؟ .. كل هذه العطاءات ؟!
تنحنح الرجل وتنهد : كما أخبرتكم فأنا وحيد بلا وريث ولا .. ثم قطع كلامه وكأنه لايصلح لتمثيل هذا الدور من الضعف قائلاً فى وضوح شديد : أنا أريد طفلا !!
التمعت عيناه بوحشية وهو ينظر إلى الأرض ليخفى ذلك التوهج والزبد الذى كاد يتطاير من فمه وتابع : طفل واحد صغير ينشأ معى أربيه كابنى وعلى طريقتى .وانتفخت أوداجه وهو يدير رأسه بعيداً وبصوت كالفحيح يؤكد : يكون لى أبداً مؤبدا.
ولم يتوقف عند هذا الحد بل تابع دون اهتمام للجزع والاستنكار الواضح على الوجوه وزاد من حدة صوته وشراسته : وشرطى ألا تبحثون عنه بعد ذلك أبداً سيعود هو حين يريد ولكن أنتم عليكم فصل علاقتكم به عن رضى . وهدأ قليلاً قائلاً : سأعطيكم المبالغ التى تطلبونها وسأوزع عليكم مايكفيكم إنفاقاً مئات السنين .
وعلا صوته وبدا آتياً من أعماق سحيقة : أنتم لا تدركون مدى ثرائى فى الكون كله .
جحظت عيون الرجال غير مصدقين وتكلم العمدة بصوت مرتعب : أتريد شراء أولادنا ؟!
نظر إليه الرجل بأشد النظرات قساوة مماجعله ينزوى فى مكانه نادماً على سؤاله بل وربما كونه العمدة هاهنا وأشاح بوجهه خافضاً صوته وكأنه يحادث نفسه : لا أحد يستطيع التخلى عن ولده .!
وتعالت همهماتهم مصدقين على ماقال العمدة وهم يتحاشون النظر إليه ، مما جعله يقول فى هدوء قاسى : لا أريد أولادكم ، أريد طفلا واحدا يساعدنى فى حياتى ويساعد القرية بالإضافة إلى أنه سيرثنى بعد ذلك ويعود إلى



























